دور الترجمة في إثراء الحضارة الإنسانية / أبو عبد الله عبد الرقيب كتاب الدين الندوي
دور الترجمة في اثراء الحضارة الإنسانية
أبو عبد الله عبد الر قيب كتاب الدين الندوي
عميد كلية الكوثر العربية بمنداليكا، جانغي فارة، هوغلي، غرب البنغال
مما لا شك في أن الترجمة تلعب دورا فعالا بارزا أساسيًا في تعزيز التواصل بين الثقافات والشعوب وتساهم في نشر الثقافات عبر الحدود الجغرافية وهي وسيلة محكمة في تبادل الأفكار ونقل العلوم والمعارف، فمن خلال عمل الترجمة يتعرف الإنسان على تقاليد الشعوب وحضارات الأمم على مستوى العالم كما تساعد الترجمة في الحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع أو البلد من خلال إتاحة ترجمتها إلى لغاتٍ أخرى وكذلك تقوم الترجمة بتسهيل التواصل السياحي والدبلوماسي مما يسهم في بناء الروابط والعلاقات الوطيدة بين الأمم.
فالترجمة ليست مجرد نقل لغة بل هي نقل ثقافة وحضارة من لغة إلي لغة أخرى، يمكن أن نقول: أن الترجمة سفينة لنقل الأفكار والعادات والتقاليد والمعتقدات والثقافات والحضارات من أمة إلي أمة ومن بلد إلى آخر، فلولا الترجمة لظلت كل أمة على نطاق ضيق،وبها نستطيع أن نقوم بتعزيزالعلاقات الدبلوماسية بين الدول و توطيد العلاقات بين الشعوب والأمم و تقوية التطور المعرفي العالمي و يفتح بها أبواب و مجالات اقتصادية عالمية جديدة، ولا سيما إذا كانت الترجمة من لغة العربية إلي لغات الشعوب والأمم ونقل ثقافة إسلامية إلي لغات العالم تزول خلالها العداوة والبغضاء من بيننا التي قامت الأعداء من اليهود والمستشرقين حول الإسلام والعالم الإسلامي، وكذلك نستطيع - نحن المسلمون - أن نتغلب على الإسلاموفوبيا أو التعصب الهالك ضد المسلمين، و نجد فرصة ذهبية في التطور والتقدم في كل مجال من مجالات الحياة والإنسانية ولا سيما في نشر الثقافة الإنسانية الإسلامية على مستوى العالم بسهولة وتيسير، فعلينا أن نهتم بعمل الترجمة إهتماما بالغا ونرحب ونشجع كل من قام بها لأنها تساهم في تعزيز التعاون الدولي والسلام بين الشعوب.
السيرة الذاتية
أبو عبد الله عبد الرقيب كتاب الدين الندوي
عنوان المراسلة: بولكي، دومهنا، كرنديغي، اتر ديناجفور، غرب البنغال، الهند
رقم الجوالة وواتسب: 9679664264 البريد الإلكتروني: abdurraquibnadwi@gmail.com
المنصب الحالي: عميد كلية الكوثر العربية بمنداليكا، جانغي فارة، هوغلي، غرب البنغال
المؤهلات العلمية:
الماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة مدراس جيننائي
الماجستير في الإسلاميات من جامعة عالية بكولكاتا
العالمية في كلية الشريعة وأصول الدين من جامعة دار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ
المؤلفات : ولي مؤلفات عديدة بثلاث لغات - العربية، والبنجالية والأردية - بعض منها:
منهج المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الحديث وتضعيفه دراسة تحليلية
ازواج مطہرات اور مستشرقین
رؤیت ہلال اور اختلاف مطالع
সহীহ ইসলামী আক্বীদা
সাদৃশ্য নয় নিজস্ব, পরিচয় কে আঁকড়ে ধরো
قبل أن أدخل في صلب الموضوع أرى من المناسب أن أشرح لكم شئيين أحدهما مفهوم الترجمة وثانيهما معنى الحضارة سيسهل لنا فهم الموضوع إن شاء الله.
مفهوم الترجمة: جاء في لسان العرب أن كلمة الترجمان والترجمان (بفتح التاء وضمها) تدل على " المفسر" يقال: وقد ترجم كلامه، إذا فسره بلسان آخر، ومنه الترجمان ( ابن منظور، لسان العرب، ج 1، ط3، (بيروت: دار لسان العرب، 1976)، ص174.)
وفي إصطلاح الباحثين المتخصصين أن للترجمة مفاهيم شتى وكثيرة، تعددت بتعدد الباحثين المتخصصين في هذا الحقل المعرفي، فإنها تلتقي عند دلالة التحويل والنقل من لغةٍ إلى لغةٍ أخرى.
فالترجمة هي “تحويل نصٍ من لغةٍ أساسًا إلى نصٍ مناظر في لغةٍ أخرى مع الحفاظ قدر الإمكان على محتوى غرض النص الأصلي وسماته الشكلية وأدواره الوظيفية. (حسام الدين مصطفى، دور الترجمة والتعريب في تطور حركة البحث العلمي، ط1 (بيروت: دار الفكر، 2009)، ص101).
إن الترجمة من هذا المنظور، نقل معاني الجمل والتراكيب لا الألفاظ من لغةٍ إلى أخرى.
فالحضارة في اللغة العربية هي كلمة مشتقة من الفعل حضر وهي نظام إجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي وتتألف من عناصر الأربعة : الموارد الإقتصادية والنظم السياسية والتقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون. فالحضارة هي النتاج الفكري والثقافي والمادي المتراكم لأمة من الأمم والتي تمنحها خاصية مميزة عن الأمم الأخرى. يمكن أن نقوم بتعريف الحضارة بمفهومها الشامل تعني كل ما يميز أمة عن أمة من حيث العادات والتقاليد وأسلوب المعيشة والملابس والتمسك بالقيم الدينية والأخلاقية ومقدرة الإنسان في كل حضارة على الإبداع في الفنون والآداب والعلوم.
إن العلاقة بين الترجمة والحضارة علاقة قوية وثيقة متينة كعلاقة المطر بالبحر فطالما يوجد مطر يوجد بحر، وطالما يوجد بحر فلن يتوقف هبوط المطر، كذلك العلاقة بين الترجمة والحضارة فطالما توجد حضارة توجد ترجمة. فالحضارة بدأت منذ بداية المجتمع البشري وما تضمنه من نشاطات دينية واقتصادية وعسكرية استطاعت أن تخرج بالشعوب من حدودها الجغرافية لتتفاعل مع جيرانها وكذلك الترجمة تاريخها قديمة منذ بداية الإنسانية لأن الإنسان في حاجةٍ ملحة إلى التواصل مع الآخرين من الشعوب والأمم كافة على مستوى العالم مهما اختلفت لغاتها، وكانت أولى صور الترجمة هي الترجمة الشفوية نظرا لبساطة النظم اللغوية وعدم اختراع الكتابة، فكانت الترجمة هي أداة التفاهم بين القبائل والتجمعات البشرية سواء خلال الأنشطة التجارية التي تتم وقت السلم أو المعاهدات والاتفاقيات التي تظهر في وقت الحرب وغيرها.
وفي العصور القديمة لعبت الترجمة دورا هاما في نشر التعاليم الدينية، والنتاج الفني والأدبي، وساعدت في إحداث التفاعل بين الحضارات القديمة كالبابلية والأشورية والفينيقية والفرعونية والإغريقية (بسمة عبد المحسن منصور، الترجمة والتعريب، ط1 (المملكة العربية السعودية: منشورات جامعة الملك سعود، 1998ص112).
فقد عُثر على مخطوطاتٍ قديمة ثنائية اللغة (السومرية والأكادية)، يرجع تاريخها إلى عام 3000 ق.م. فضلًا عن حجر الرشيد الذي يعد من أقدم الدلائل التي توضح نشاط الترجمة، وهو حجرٌ يرجع تاريخه إلى عام 200 ق.م. عُثر عليه في مدينة الرشيد المصرية عام 1977 م منقوشًا عليها نصوص باللغة الهيروغليفية (المصرية القديمة) والديموطيقية (المصرية القديمة العامية)، واليونانية. فقد قام الكهنة بنقش هذه النصوص تخليدًا لذكرى “بطليموس الخامس” 205 ق.م ـ 180 ق.م. وكانت النقوش تعبر عن ترجمة النص الأصلي من اللغة الهيروغليفية إلى اللغتين الديموطيقية واليونانية، ومن خلال هذا الحجر استطاع الفرنسي فرانسوا شامبليون عام 1882 فك الرموز عبر مقاربة الترجمات (شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني ط2 مصر: دار المعارف، 1975 ص131.)
أما الجانب العربي، فإن المصادر التاريخية تؤكد أن العرب مارسوا الترجمة بوصفها نشاطًا إنسانيًا، وأداةً للتواصل بينهم وبين غيرهم من الأمم، خاصةً المجاورة لهم. وعندما فتح الله على المسلمين بلاد فارس والعراق والشام ومصر في مطلع القرن السابع الميلادي، وامتزجت حضارتهم ولغتهم العربية بالحضارات التي كانت في هذه الفترة، وانفتحوا على ثقافات وعلوم لم يألفوها، ونقلوا من العلوم التي وجدوها ما أثرى ثقافتهم وحضارتهم العربية الإسلامية(( شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني، ط2 (مصر: دار المعارف، 1975)، ص143.
أما خلال الفترة الإسلامية، فإن حركة الترجمة والتعريب قد عرفت انتعاشًا بسبب من الدعوة الإسلامية التي كانت في حاجةٍ ماسة إلى مبعوثين إلى العجم لتبليغ الرسالة المحمدية. وما كان هؤلاء أن يبلغوا هذه الرسالة لو لم يكونوا على معرفةٍ تامةٍ بلغات الأعاجم، “وكان ابن ثابت من أشهر سفراء النبي (صلى الله عليه وسلم). إذ استطاع أن يتقن اللغات السريانية والفارسية والرومية. وهناك أدلةٌ وشواهد عديدة تؤكد أن عصر صدر الإسلام قد عرف الترجمة ومن أمثلة هذه الأدلة بردة عمر بن العاص التي ترجع إلى سنة 22 هـ/ 642م، وعليها سطور باللغة اليونانية وتحتها ترجمتها بالعربية (وثمة روايات تقول) إن سلمان الفارسي قام بترجمة معاني سورة الفاتحة إلى اللغة الفارسية. وقد قَويت حركة الترجمة خلال العصر الأموي. حيث أورد العديد من المصادر أن خالد بن يزيد ابن معاوية المشهور بــ (حكيم آل مروان) كان أول من أرسل إلى الإسكندرية ليجلب كتب الطب والكيمياء لتتم ترجمتها (شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني، ص143) ولما جاء العصر العباسي توسعت اهتمامات المترجمين. فكانت مجالات حركة الترجمة والتعريب أكثر توسعًا من العصور السابقة. كما ساهم في ذلك تشجيع الخلفاء العباسيين للمترجمين والعلماء وسخائهم معهم كي يجعلوا من بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية. بل جعلوا الترجمة نشاطًا من أنشطة الدولة. فقد استعان الخليفة أبو جعفر المنصور بحنين بن إسحاق لنقل كتب الطب، وسار على نهجه هارون الرشيد الذي أنشأ دار الحكمة لتصبح أشبه بمؤسسة أكاديمية للترجمة. ومن بعده، جاء المأمون الذي زاد من تشجيعه للمترجمين كالحجاج بن مطر، وابن البطريق. كما تأثرت الحضارة الإسلامية بعلوم وفنون وآداب الأمم الأخرى من خلال حركة الترجمة، وظهر تأثير الحضارة الفارسية على الآداب والفنون، وظهر تأثير حضارات اليونان والرومان في الفلسفة والعلوم، وأثر حضارة الهند في علوم الحساب والرياضيات والفلك (شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني، ص146). ساهم هذا التأثير البالغ والقوي لحركة الترجمة في العصر العباسي في تطويرها. حتى ليخيل للإنسان أن المترجمين “لم يتركوا حينئذ كتابا يونانيا في أصله اليوناني أو من ترجمته السريانية إلا ترجموه إلى العربية ( شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني ص151.). كما عد اللغويون الترجمة والتعريب رافدًا من روافد التنمية اللغوية، وإحدى وسائل الاتصال الإنساني، ونافذةً على ثقافة الآخر وفكره، وأداةً لنقل الحضارات والمعارف. وشهد العصر العباسي انفتاحًا فكريًا أعان عليه ما نقل من حضارة الشرق كالفارسية والهندية، وما نقل من حضارة الغرب كاليونانية والسريانية، ولم يكن الجهل لبعض اللغات عائقًا، فقد “استعانوا بلغات وسيطة إذا عسر عليهم النقل من اللغة الأم، مثال ذلك عندما نقل ابن المقفع كليلة ودمنة الهندية الأصل إلى العربية من لغة وسيطة هي الفارسية (شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني ص152).
حاجة اليوم إلى الترجمة أكثر من الأمس
إن الرقي الذي تشهده الحضارة المعاصرة اليوم في جميع المجالات والميادين المعرفية والتكنولوجية الدقيقة لا تشكل من دون شك ثمرة جهد أمةٍ واحدة أو جنسٍ واحد من الأجناس البشرية. إنما هو ثمرة تضافر جهود الإنسانية التي أسهمت في بناء هذه الحضارة منذ آلاف السنين ومن هنا كانت هذه الحضارة اليوم حضارةً عالميةً إنسانية. لأنها “حصيلة جهد إنساني مشترك أسهمت فيه جميع الشعوب، واضطلعت فيه الترجمة بدور الوسيط الفاعل المؤثر في التعرف والتعاون بين مختلف الجماعات البشرية، وتخصيب معارفها وتلاقحها
وعلى هذا الأساس أضحى للترجمة دورٌ مهمٌ في تحقيق علاقات التواصل مع العالم، وعلى دعامتها ينهض الحوار الثقافي والعلم بين الشعوب والأمم، فالتقدم أصبح يقاس اليوم بازدهار حركة الترجمة وشموليتها، وهي وسيلة حاسمة في تعميق التواصل مع العالم المتقدم، وفي توسيع دوائر الحوار التي تؤدي إلى امتلاك مفردات العصر ولغاته، وتجسير الهوة الفاصلة بين المتقدم والمتخلف، والسبيل إلى فتح آفاق جديدة من وعود المستقبل الذي لا حد لإمكاناته، وعلامة الانتساب إلى الحضارة العالمية في تنوعها الخلاق.

Comments
Post a Comment